الشيخ محمد رشيد رضا
47
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا ينفعه ولا يدفع عنه ضرا فيكون إنعاما عليه ويدا عنده ، وإنما منفعته لهم فهو في الحقيقة من نعمه عليهم إذ هداهم اليه ، وأقدرهم عليه ، فهل يليق بمن يفهم هذا الخطاب الاعلى ، أن يرى نعم اللّه عليه لا تعد ولا تحصى ، وهو لا يشكره ولا يستعمل نعمه فيما سيقت لأجله ؟ ثم هل يليق به أن يرى بعض الناس يسدي اليه معروفا ثم لا يشكره له ولا يكافئه عليه ، وإن كان هو فوق صاحب المعروف رتبة وأعلى منه طبقة ؟ كيف وقد سمى اللّه تعالى جده وجل ثناؤه إنعامه على من يحسنون إلى أنفسهم وإلى الناس شكرا ، واللّه الخالق وهم المخلوقون ، وهو الغني الحميد وهم الفقراء المعوزون ؟ شكر النعمة والمكافأة على المعروف من أركان العمران وترك الشكر والمكافأة مفسدة لا تضاهيها مفسدة ، إذ هي مدعاة ترك المعروف كما أن الشكر مدعاة المزيد ، ولذلك أوجب اللّه تعالى علينا شكره ، وجعل في ذلك مصلحتنا ومنفعتنا ، لان كفران نعمه باهمالها أو بعدم استعمالها فيما خلقت لأجله أو بعدم ملاحظة أنها من فضله وكرمه تعالى - كل ذلك من أسباب الشقاء والبلاء وأما تركنا شكر الناس وتقدير أعمالهم قدرها سواء كان عملهم النافع موجها الينا أو إلى غيرنا من الخلق ، فهو جناية منا على الناس وعلى أنفسنا ، لان صانع المعروف إذا لم يلق إلا الكفران فان الناس يتركون عمل المعروف في الغالب ، فنحرم منه ونقع مع الأكثرين في ضده فنكون من الخاسرين . وإنما قلنا « في الغالب » لان في الناس من يصنع المعروف ويسعى في الخير رغبة في الخير والمعروف وطلبا للكمال ، ولكن أصحاب هذه النفوس الكبيرة والاخلاق العالية التي لا ينظر ذووها إلى مقابلة الناس لأعمالهم بالشكر ، ولا يصدهم عن الصنيعة جهل الناس بقيمة صنيعتهم ، قلما تلد القرون واحدا منهم ، ثم إن كفران النعم لا بد أن يؤثر في نفس من عساه يوجد منهم فإن لم يكن أثره ترك السعي والعمل ، كان الفتور والونى فيه ، وإذا لم يدع المعروف فاعله لكفران الناس لسعيه تركه لليأس من فائدته ، أو للحذر من سوء مغبته ، إذ الحاسدون من الأشرار ، يسعون دائما في ايذاء الأخيار ، كذلك الشكر يؤثر في إنهاض همة أعلياء الهمة من المخلصين في أعمالهم الذين لا يريدون عليها جزاء ولا شكورا ذلك انهم يرون عملهم الخير نافعا فيزيدون منه كما أنهم إذا رأوه ضائعا يكفون عنه